آخر الاخبار

توكل كرمان: العالم يدخل مرحلة إعادة تشكّل كبرى وتفكك اليمن يهدد أمن البحر الأحمر وممرات الطاقة العالمية خطط عسكرية لإعادة ترتيب وتموضع قوات المنطقة الأولى والثانية بحضرموت قناة بلقيس الفضائية تعلن عودة برامجها وتحدد مكان ونوعية العودة الجديدة   جمعية مرضى الثلاسيميا والدم الوراثي في اليمن تحذر من كارثة صحية مع نفاد الأدوية والمستلزمات اللازمة ''بلاغ'' توتر سريع بين مبابي وماستانتونو يثير الجدل في ختام مباراة ريال مدريد البنك المركزي يوجّه البنوك التجارية في عدن لشراء العملات الأجنبية لاحتواء أزمة السيولة خلال لقائه الحكومة الجديدة.. العليمي يشدد على توحيد القرار الأمني والعسكري لمواجهة التحديات ويؤكد أن تعزيز الأمن وسيادة القانون هو المدخل لاستعادة الدولة لماذا تغيب أحد الوزراء عن أداء اليمين الدستورية أمام الرئيس العليمي اليوم؟ في أول لقاء مع الحكومة الجديدة.. العليمي يرسم ملامح المعركة الاقتصادية ويحدد المهام والخطط القادمة سالم الخنبشي: يدعو إلى إعادة دمج وتموضع القوات المسلحة تحت مظلة موحدة لتعزيز الأمن والاستقرار

محرقة الشموع: حين تصبح النار أقل قسوة من الصمت المناطقي
بقلم/ سيف الحاضري
نشر منذ: 5 أيام و 5 ساعات و 30 دقيقة
الأربعاء 04 فبراير-شباط 2026 08:32 م

شهادة على ظلمٍ بدأ بالتحريض، واكتمل بالصمت، وترسّخ بالإهمال.                                                                 

ما تعرّضت له مؤسسة الشموع للصحافة والإعلام لم يكن حادثة أمنية، ولا انفلاتًا عابرًا، ولا نتيجة “سوء تقدير”،

بل كان مسارًا متكاملًا من الظلم، يبدأ بالتحريض، ويمرّ بالصمت، وينتهي بالإهمال والإهانة.

 

تحريض علني، صمت رسمي، تخلٍّ أخلاقي، ثم إهمال فاضح بلغ حدّ الإهانة، دون مساءلة، ودون حتى محاولة إنكار.

 

تعرضت مؤسسة الشموع لاعتداءات لم تتعرض لها أي وسيلة إعلامية في اليمن؛ منذ عهد النظام السابق، مرورًا بمليشيات الإرهاب الحوثية، واعتداءات الحراك الجنوبي، ثم التشكيلات العسكرية التابعة للإمارات.

 

وفي كل مرحلة، كان الذنب واحدًا: الانحياز للدولة والجمهورية في زمن كان فيه هذا الموقف مكلفًا وخطيرًا، بل أقرب إلى كونه جريمة في نظر قوى الأمر الواقع.

 

واجهنا كل ذلك بثبات.

 

خمس محاولات اغتيال مؤكدة تعرضت لها شخصيًا: ثلاث في الجنوب واثنتان في صنعاء.

 

لم تكن تهديدات، بل محاولات قتل حقيقية، مكتملة الأركان، معروفة التفاصيل، ولم يُفتح في أيٍّ منها تحقيق جاد.

 

ومع ذلك، لم تغيّر الشموع خطها، ولم تساوم، ولم تبحث عن منطقة آمنة، لأن التراجع لم يكن يومًا خيارًا مهنيًا ولا أخلاقيًا.

 

لكن ما كان أشدّ من الرصاص… هو الصمت.

 

الصمت الذي لا يُفسَّر بالجهل، بل بالتخلي، ولا يُبرَّر بالانشغال، بل بالتواطؤ السلبي.

 

في كل تلك المراحل، لم نتلقَّ اتصالًا واحدًا من أي مسؤول شرعي:

لا تضامن،

لا متابعة،

لا حتى إشارة اعتراف، وكأن المؤسسة أُحرقت خارج نطاق الدولة، أو خارج تعريف “الضحايا المستحقين”.

 
  • صوت الدولة الوحيد في الجنوب
 

قبل جريمة إحراق مؤسسة الشموع في عدن عام 2018، كنا الصوت الإعلامي الوحيد تقريبًا الذي يعبّر عن الدولة في الجنوب، في لحظة كان فيها هذا الصوت محاصرًا، ومكلفًا، ومرفوضًا من قوى متعددة.

 

أتذكر جيدًا اتصال أحد الوزراء بنا أثناء الطباعة، ليبلغنا أن بيانًا عاجلًا للدكتور أحمد بن دغر يجب نشره فورًا.

 

أوقفنا الطباعة.

أعدنا إخراج الصحيفة كاملة.

تحملنا الخسارة والضغط والمخاطر، لأننا كنا نؤمن أن غياب صوت الدولة أخطر من أي تهديد، وأن الفراغ أخطر من الخصومة.

 

في المقابل، كانت معظم الصحف الصادرة في عدن تحرّض علينا علنًا، وتستهدف كل ما يمت للدولة أو للجمهورية بصلة.

 

تحملنا ذلك من منطلق وطني، في وقت كانت فيه الحكومة نفسها – التي قبلنا أن نكون صوتها – لا تقدم لنا شيئًا، ولم نكن نطلب منها شيئًا سوى أن تكون دولة.

 

ثم جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.

 
  • فجر 1 مارس 2018: مواجهة الموت بلا وساطة

كنت في المطبعة فجر ذلك اليوم.

صوت الآلات، رائحة الحبر، عمل اعتيادي… ثم فجأة سكون قاتل.

التفتُّ لأفهم سبب تجمّد العاملين، فوجدت بندقية مصوبة مباشرة إلى رأسي، وأخرى إلى صدور الموظفين.

 

لا صراخ، لا نقاش، لا أوامر رسمية… فقط سلاح عارٍ، وسلطة خارج أي قانون.

 

أُخرجنا بالقوة.

رُصّ الجميع على جدار المبنى.

شتائم، تهديدات، توعد بالقتل الفوري، في مشهد لا يشبه اقتحامًا أمنيًا بقدر ما يشبه عملية تصفية.

 

في تلك اللحظات، لم يكن الخوف هو المسيطر، بل اليقين:

- أننا قد لا نخرج أحياء،

- وأن أسرتي، في المنزل خلف المطبعة، قد تكون الهدف التالي، بلا ذنب سوى القرب الجغرافي.

حاولت التحدث، فاندفعت بندقية إلى رأسي.

أدركت أننا لسنا أمام قوة نظامية، بل عصابة إجرامية منزوع عنها أي رادع.

 

ثم جاء المشهد الأبشع:

 

رأيت بأم عيني من يصبّ البترول داخل المطبعة، بهدوء، وبكراهية متعمّدة، ثم يشعل النار في مؤسسة بنيتها خلال أكثر من 22 عامًا.

لم يحرقوا آلاتٍ فقط، بل حاولوا حرق فكرة، ورسالة، وتاريخًا مهنيًا طويلًا.

 

حين اشتعلت المطابع، وقع انفجار ناتج عن ضغط الهواء داخل الآلات.

أربكهم الانفجار.

غادروا بعدما تأكدوا أن المهمة اكتملت.

 

دخلت المطبعة…

النار في كل مكان.

الدخان، الحرارة، الرماد.

 

كنت أعلم أن كل شيء انتهى، ليس ماديًا فقط، بل معنويًا أيضًا.

 

ركضت إلى المنزل.

رأيت في عيون أسرتي رعبًا خالصًا، صامتًا، سيبقى معنا ما حيينا.

 
  • شمس بلا دولة

انتظرت الصباح.

 

كنت أظن أن هاتفًا سيرن.

أن الدولة ستستيقظ.

أن جهة ما ستسأل: ماذا حدث؟ ومن فعل؟ ولماذا؟

 

لم يحدث شيء.

لا اتصال،

لا زيارة،

لا بيان، وكأن الحريق لم يقع، أو كأن الضحية لا تستحق الذكر.

 

وفي عصر اليوم نفسه، وصلني رسول من طرف أحمد أبوماجد الإماراتي:

48 ساعة لمغادرة عدن… أو المصير ذاته.

 

غادرت عدن.

لا بقرار، بل بإنذار.

 
  • الرياض: حين يتحول الإهمال إلى قهر

بعد أسبوعين، وصلت إلى الرياض بطلب من نائب الرئيس الفريق علي محسن.

 

لم أكن أبحث عن امتياز، بل عن الحد الأدنى من التعامل المسؤول مع قضية مكتملة الأركان.

 

وصلت… ولم يكن هناك أحد.

لا استقبال،

لا ترتيب،

لا حتى سؤال: أين ستسكن؟

 

سألت:

- هل يوجد حجز فندقي؟

- هل تم ترتيب سكن مؤقت؟

كان الجواب: لا يوجد.

اضطررت للسكن في غرفة أحد الأقارب.

 

لم يكن الأمر ماديًا، بل رمزيًا:

مؤسسة أُحرقت، تهديد بالقتل، تهجير قسري… ثم فراغ كامل، كأن الدولة تبرأت من القضية بصمت.

 
  • لقاء بن دغر: البرود في ذروته

بالصدفة وحدها، التقيت الشيخ عثمان مجلي، وكان متجهًا للقاء رئيس الحكومة أحمد بن دغر.

 

دخلنا عليه.

 

عاتبته على عدم الاتصال، على غياب أي توجيه بالتحقيق، على الصمت.

 

كان رده باهتًا، وكأن ما جرى مجرد “حادث”، لا جريمة مكتملة الأركان.

 

قلت له إننا في نكبة، وكل ما نريده هو نقل ما تبقى من أصول المؤسسة إلى مأرب.

 

قال ببرود:

أنتم مؤسسة كبيرة، ومشكلتكم كبيرة، وتحتاج إلى عون كبير، لكن الحكومة لا تستطيع أن تقدم لكم سوى عشرين ألف ريال سعودي.

 

لم يمد يده بالمبلغ، بل أصدر توجيهًا بصرفه، كإجراء إداري بلا إحساس.

 

قلت له أمام الشيخ عثمان مجلي:

شكرًا… الحكومة أحوج لهذا المال.

 
  • العتاب المقلوب

قبل انتهاء اللقاء، وجّه لي عتابًا لأننا كنا ننتقد الحكومة، خصوصًا في موضوع تأخير مرتبات الجيش.

 

قلت له بوضوح:

هل نسيت أننا كنا ننشر أخبارك وأخبار حكومتك يوميًا في صدر الصفحة الأولى؟

هل نسيت أنك كلما وصلت عدن كنت ترسل لنا تفاصيل لقاءاتك، وكنا ننشرها من قناعة، لكي يشعر الناس أن هناك دولة؟

 

تغريدات العتاب حول مرتبات الجيش لم تكن تحريضًا، بل دفاعًا عن جنود بلا رواتب.

 

نقد التقصير لم يكن عداءً، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 

لم يجب.

 
  • الرسالة التي كشفت كل شيء

بعد نصف ساعة، وصلتني رسالة منه يقول فيها إنه لا يرى سببًا لزعلي، ثم أضاف أن مؤسسة الشموع ليست لي، بل ملك نائب الرئيس.

 

كان نائب الرئيس بجانبي.

قرأ الرسالة وقال مستغربًا: من هذا؟

قلت: رئيس الحكومة.

قال لي: لا ترد.

قلت: لا أستطيع.

 

وكتبت:

كنت أبحث عن الجهة التي حرّضت علينا… واليوم عرفتُها.

 

ما جرى لمؤسسة الشموع ليس قصة شخصية، بل وثيقة إدانة لمرحلة كاملة.

مرحلة يبدأ فيها الظلم بالبندقية، ويستمر بالصمت، ويُختَم بالإهمال والإهانة.

 

النار التي أحرقت المطبعة لم تكن البداية، بل اللحظة التي ظهر فيها كل ما كان مخفيًا.

 

فهذه شهادة لا تُكتب للانتقام، بل حتى لا يتحول الصمت إلى سياسة، ولا يصبح التخلي قدرًا.

 

فالحقيقة قد تُحاصر… لكنها لا تحترق.

 
  • الصمت المناطقي

وليس كل صمتٍ بريئًا،

فهناك صمتٌ يولد من المسافة،

ومن التصنيفات الضيقة،

ومن النظر إلى الألم بوصفه “بعيدًا” أو “لا يخصنا”.

 

وهذا الصمت، حين يكون مناطقيًا أو عنصريًا،

لا يكتفي بأن يترك النار تفعل فعلها،

بل يمنحها شرعية البقاء.